المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أخطأت الأم


النور والايمان
12-29-2016, 12:59 PM
أخطأت الأم فتاة في شبابها، تنظر إلى أمها نظرة غاضبة، وتعاتبها على خطأ ارتكبته في حق يتيمة: لمَ ترفعين صوتك عليها ألأنها ضعيفة؟ فالله أقوى منك! أم لأنها وحيدة؟ فبالله هي وأنتِ بمفردك! هل كنتِ ستفعلين هذا بها لو كان أبواها أمامك؟ الله يراكِ، وهو لا يرضى بالظلم، ألا تخشين بطشه؟ رأيت الدموع...

أخطأت الأم



فتاة في شبابها، تنظر إلى أمها نظرة غاضبة، وتعاتبها على خطأ ارتكبته في حق يتيمة:
لمَ ترفعين صوتك عليها ألأنها ضعيفة؟ فالله أقوى منك!
أم لأنها وحيدة؟ فبالله هي وأنتِ بمفردك!
هل كنتِ ستفعلين هذا بها لو كان أبواها أمامك؟
الله يراكِ، وهو لا يرضى بالظلم، ألا تخشين بطشه؟

رأيت الدموع تنهمل من عيني تلك الأم، لم تجب ابنتها إلا بالصمت.
أخطأت الأم، ونالت جزاءها، وقضى الله بالحق لليتيمة.


عشرون سنة انقضت
وها هي الفتاة الصغيرة قد أصبحت أمًا.
وإذا بي أرى ما رأيته قبل سنين يتكرر.
ها هي ابنتها تنتفض غضبًا عليها، فتتحدر دموع الأم على خدها.
والعجيب أن الأم كانت مخطئة هذه المرة أيضًا.


في كلتا القصتين (أخطأت الأم)


لكن بماذا أخطأت الفتاة؟


(وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) سورة الإسراء، الآيتان (23-24)


عندما نقرأ هاتين الآيتين، سندرك أيضًا أن الفتاة أخطأت، وأساءت إلى أمها، فرأت الفتاة هذه الإساءة ترتد عليها من ابنتها.


بحكمة الله وإرادته، تزوجت الفتاة، وأنجبت ابنة، وبحكمة الله وإرادته، أخطأت هي أيضًا، فزجرتها ابنتها.


يستحق المخطئ العقوبة، لكن في هذه الحالة، يجب علينا أن نتصرف بشكل مختلف، مع الأم والأب على وجه الخصوص، فقد خصهما الله بالذكر في كتابه وأمر بالإحسان إليهما، حتى وإن كانا على غير دين الله، وحتى لو جاهدا الابن على أن يشرك بالله (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) سورة لقمان، الآية (15)



ما الذي كان يجدر بالفتاة فعله إذن؟


الإجابة على هذا السؤال، في هذه الآيات من قصة إبراهيم -عليه السلام- مع أبيه آزر (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا (41) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا (42) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَن عَصِيًّا (44) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (48))سورة مريم، الآيات (41-48).

فلنتأمل هذا الأدب الجم في حديث خليل الله مع أبيه، والأسلوب اللطيف الذي اتبعه معه، والكلمات العذبة التي استخدمها عليه السلام (يا أبتِ... يا أبتِ... يا أبتِ... سلامٌ عليك سأستغفر لك ربي).

فكان جزاء إبراهيم عظيمًا وكرمه الله، يقول الله في الآيت التالية:
(فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (49) وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (50))سورة مريم، الآيات (49-50).


رزقه الله بإسحاق، وبشره بأن يرى حفيده من بعده، وجعلهما نبيين، رغم كبر سن إبراهيم عليه السلام، ورغم أن زوجته كانت عقيمًا.


اللهم ارحم والدينا ووالدي المسلمين وارزقنا بر الوالدين وأصلح لنا ذرياتنا.




عاصرت قصة الفتاة والأم، ورأيت دموعهما، فأحببت أن أشاطركم إياها لعلنا نتعظ وندرك معنى الإحسان إلى الوالدين والبر بهما.